أبي منصور الماتريدي
319
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
مَثَلًا ؟ ولكن لما وجد منهم ذلك القول نسب الجعل إليه ، لا أن خلقوا لذلك الوجه ؛ وهو كقوله تعالى : فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [ القصص : 8 ] نسب إليهما الالتقاط وإن كان الالتقاط لغير ذلك الوجه ، وكذلك قال : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً [ آل عمران : 178 ] ، ومعلوم أن الإملاء لم يكن لازدياد الإثم ، ولكن هم لما ازدادوا إثما ، نسب الإملاء إليه ، وإن لم يكن الإملاء لذلك الوجه ، وكذلك يقال في الكلام السائر : لدوا للموت وابنوا للخراب ولا أحد يبني البناء للخراب ؛ ولكن مصيره لما كان إلى الخراب نسب البناء إليه ، وإن لم يكن البناء « 1 » لذلك الوجه ، ويقال : يسرق السارق لتقطع يده ، ومعلوم أنه ليس يسرق للقطع ، ولكن بسرقته إذن لزمه « 2 » القطع ولأجلها ما قطع ، نسب الفعل إليه ، وإن كانت السرقة لغير ذلك الوجه ؛ فكذلك العدة التي ذكرت في الآية جعلت فتنة بجهة واحدة ، وهي التي ذكرناها « 3 » ، لكنه لما وجد من الكفرة ما ذكرنا نسب الخلق إلى ذلك الوجه ، لا أن كان الجعل لذلك . ولكنا نقول : لو كان الأمر على ما زعموا ، أدى ذلك إلى إسقاط الربوبية ؛ إذ في الحكمة : من عمل عملا يريد غير الذي يكون ، أوجب ذلك جهلا بالعواقب ، أو جعل عابثا في فعله ، ومن هذا وصفه ، لم يصلح أن يكون إلها ، بل يكون جاهلا سفيها ؛ ألا ترى أن من بنى شيئا « 4 » يعلم أنه لا يكون - كان ذلك منه عبثا ، وإذا كان غير الذي يريده كان جاهلا به . فإذا ثبت هذا فنقول : لو أراد الله من الكافر غير الذي كان منه ، لكان فعله خارجا مخرج الخطأ ، أو العبث ؛ فثبت أن الله - عزّ وجل - شاء لكل فريق ما علم أن يكون منهم ؛ فإذا علم من عبده أنه يؤثر الضلال على الهدى ، فقد شاء له الضلال ، وإذا علم أنه يؤثر فعل الخير ، شاء له ذلك ، ووفقه له ، وهداه إليه . والجواب عن قوله - عزّ وجل - : فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [ القصص : 8 ] ، فمعناه : ليكون لهم في علم الله عدوا وحزنا ، لا أن كان الالتقاط منهم لذلك الوجه ؛ بل لو علموا أنه يصير لهم عدوا وحزنا لم يلتقطوه ، ولكنهم جهلوا ما ينتهي
--> ( 1 ) في ب : بنى . ( 2 ) في ب : لزمته . ( 3 ) في أ : ذكرنا . ( 4 ) في ب : بشيء .